منذ فترة والشاعر العراقي كامل الركابي منصرف الى كتابة القصيدة القصيرة المختزلة، ذات النبرة السريعة التي تستمد صيرورتها من إيقاع الحياة اليومية ونبض الواقع والاحداث المتلاحقة التي يحاول الشاعر الإمساك بها للتعبير عنها بأدوات فنية تتلائم وطبيعتها.
شذرات كامل الركابي، قائد متمردة وسريعة البوح
هذه القصائد التي دأب الشاعر على نشرها بشكل متواصل، إختار بعضاً منها في كتاب صدر له مؤخرا عن دار الرواد المزدهرة في بغداد بعنوان "شذرات". والشذرات هنا يُقصد بها القصائد القصيرة المختزلة ذات الإيقاع السريع:
حقل حبك / جمر / مزروع برماد
او هذه القصيدة:
انت مثل الفطر / نابت بالطبيعه
كل خريف / إيذّكر الناس / بْربيعه !
وهذه تجيئ خلافا الى ما اتسمت به قصائد مجموعته السابقة التي اصدرها في العام 2008 بعنوان "فوانيس" والتي تتسم بنبرة ذات إيقاع هادئ، واسترسال سلس، يمر بها على المساحات المظلمة ليضيء عتمتها. فالشذرات، كما قرأتها، تشي بنضج التجربة التي بدأها الركابي في شعر العامية، منذ منتصف سبعينات القرن الماضي بأصدار مجموعته الشعرية الأولى "الکمرة وسواليف النهر" في العام 1975.
لکن قصائده ورغم اختلاف أنماطها ثمة خيط رفيع يغزل نسيجها. وهذا الخيط يكمن في استخدامه أدوات الحكاية في الشعر. فمعظم قصائده يتناول فيها موضوعة معينة بصورة السرد المكثف جداً. وربما اذهب بالوصف الى ابعد من ذلك لأقول أن قصيدة كامل الركابي تشبه في بعض جوانبها القصة القصيرة جداً. وهذا ربما يفسر ما ذکره لنا الشاعر نفسه عن محاولاته، سابقا، في كتابة القصة، وعزوفه عنها بسبب عدم تمكنه من التحكم بادواتها الفنية، غير أن جوهر القصة القصيرة و شكلها وبنائها الدرامي ظل حاضراً في القصائد.
الشاعر يتفنن خلال مرحلة تكوين قصيدته في مد معاني كلماتها بشحنة من الدلالات التي تأتي بأيقاع هارموني تلقائي. بمعنى انه بعد أن يلتقط الفكرة ويزرعها في جسد الكلمات، يترك القصيدة تسير بانسيابية تلقائية. بل واحيانا تتمرد القصيدة على شاعرها. فهو يقول:
چنت أخاف/ أكتب قصيده / وهسه/ هيّ اليوم / تكتبني/ وتخلّيني / بالف صفنه / وتروح
چنت أفكّر / بالمعاني / الكلمات / وهيّ ما همها / بسطر واحد تبوح
المختبي / المخزون / من صرخة الروح!
كامل الركابي الشاعر الذي نهل الشعر من منابعه وأخذ من تجارب شعراء سطعت نجومهم في سماء شعر العامية العراقي، وفي مقدمتهم الكبير مظفر النواب، وضع لنفسه "لكنْةً" خاصة به تفرد في تغريدها. فقارئ القصيدة يتخيل كيف يلقيها الشاعر بصوته بطريقة تلامس الإحساس بما تريد البوح به، بعفوية وبساطة.
اذن هو يأتي بالفكرة ويصيغها في كلمات، ثم يترك لها اختيار الطريقة التي تظهر بها. لذا تجدها أحيانا تأتي بوزن وقافية وفي أحايين أخرى مفتوحة غير مؤطرة، أو حتى تجئ على شكل نص نثري طويل.
صيرورة القصيده هنا لا تظهر منتوج صياغتها، بمعنى آخر أنها لاتصاغ بل تأتي بتلقائية.
وبخلاف عديد من شعراء العامية العراقيين الذين يستخدمون المفردات العميقة، لبيئة الجنوب، وتلك غير المتداولة التي يطلق عليها الحسجة، فأن لغة قصيدة كامل الركابي اقرب الى لغة الصحافة، التي يعتبرها البعض لغة وسطية بين الفصحى واللهجة الشعبية، اليومية الدارجة في المدينة. والسبب في ذلك، كما يؤكد لنا الشاعر الركابي، أنه لم يعش أجواء الريف، كما انه غادر بيئته الى بلدان أخرى، بوقت مبكر، حيث تجربته الشعرية لم تنضج او تتحدد ملامحها بعد. كما وجد لزاماً عليه أن يتماشى مع لهجات ومفردات عربية أخرى، حين اضطرته ظروف بلاده السياسية، كما هو حال الكثيرين من مثله من الأدباء والفنانين الذين قارعوا النظام الدكتاتوري ولجئوا الى بلدان المنفى والعيش والتغرب فيها سنوات طوال بعيداً عن جحيم السلطة التي حاربتهم بكافة الأساليب القمعية..
طالب عبد الأمير
الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.







